أحمد بن علي القلقشندي

116

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

اعتناء أورق به عوده وطاب جناه ، والصلاة والسلام على نبيّه سيدنا محمد الَّذي كمّل بناه ، وعلى آله وصحبه ما شيّد معقل فخار مبناه - فإنّ من أعظم مدن الشّام القديمة ، ودور الملك الَّتي ذهب من يحلَّها من الملوك وبقيت آثاره مقيمة ، مدينة بعلبكّ وهي الَّتي تحصّن الإسلام بقلعتها ، وتحصّل الرعب في قلوب الأعداء [ بمنعتها ] ( 1 ) ، بنيت على عهد سليمان ( 2 ) بن داود عليهما السلام وأتقن بنّاؤها ، وهالت أسوارها حتّى نسب إلى صنعة الجنّ بناؤها ، ودعمت السّماء عمدها ، فطالت شرفها حتّى كادت تخضخض في سجل السحاب يدها ، وجمعت محاسن في سواها لا توجد ، وتقرّر بملكها من الملوك : تارة سعيدا وتارة أمجد ، وما خلت من علماء عظيمي الشان ، وصلحاء يلمّهم الجبلان : سيس ( 3 ) ولبنان ؛ وهي باب دمشق المفتوح ، وسحاب الأنواء المسفوح بالسّفوح ، وباب البروق الَّتي آلت أنّها بأسرارها لا تبوح ، ومآب السّفارة الَّتي تغدو محمّلة أوقار ( 4 ) ركائبها وتروح ؛ ولها العين المسبّلة الرّواتب ، والجبال الرّاسية الوقار لمفرقها الشّائب ، العالية الذّرى [ كأنها متلفّعة ] ( 5 ) من قطع السّحائب ؛ و [ لما ] ( 6 ) كان من فيها الآن ممّن لا تستغني الدولة القاهرة عن قربه ، ولا تستثني أحدا معه في تجريده سيفه المشهور من قربه ، أجلنا الرّأي في كفء لعروسها ، ومماثل لمركز تأوّد غروسها ، فلم نجد أدرى بأحوالها ، وأدرب بما يؤلَّف على الطَّاعة قلوب رجالها ، كمن استقرّ به فيها مع أبيه الماضي - رحمه اللَّه - الوطن [ ونالا منه الوطر ] ( 7 ) ، ومرت [ عليهم فيه ] ( 8 ) سنون وأيامّ هتف

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الثابت تاريخيا أنها من بناء الرومان . ( 3 ) سيس : بين أنطاكية وطرسوس ، من الثغور الشامية . ذكرها ياقوت باسم « سيسية » وقال : وعامة أهلها يقولون « سيس » . وسيس هي أرمينية الصغرى . ( معجم البلدان : 3 / 297 وتشريف الأيام والعصور : ص 1 - حاشية : 5 ) . ( 4 ) جمع وقر ، وهو الحمل الثقيل . ( 5 ) بياض بالأصل ؛ والزيادة من هامش الطبعة الأميرية . ( 6 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 7 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 8 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .